أدب وشعر

حاتم الأصم مع معاذ الكبير

حاتم الأصم مع معاذ الكبير 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

مقالات ذات صلة

 

الحمد لله ذي الجلال والإكرام حي لا يموت قيوم لا ينام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك الحليم العظيم الملك العلام، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله سيد الأنام والداعي إلى دار السلام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، ثم أما بعد، إن للمعاملات في الإسلام نصيب من التيسير كما هو موجود في سائر أمور الدين ومن ذلك البيوع فقد رغب الشرع في التسامح بين الناس في البيع والشراء، وكذلك شرع فيها بعض الأمور التي تجلب التيسير فيه، كخيار المجلس، ورد السلع للعيب كل ذلك شرع دفعا للضرر بين المتبايعين، وشرع خيار الشرط للمشتري دفعا للندم، وكما أذنت الشريعة الإسلامية لصاحب الحق في المطالبة بدينه والإغلاظ فيه إن تبين للدائن مماطلة من المدين، لكن إذا تبين للدائن أن المدين معسر لا يجد ما يؤدي به فإن الإنظار واجب. 

 

وذلك تيسرا عليه، فلقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالرفق واليسر في أمور ديننا في أحاديث كثيرة وأرشدنا القصد في الأخذ بها وترك الغلو والتفريط، فقال صلى الله عليه وسلم ” القصد القصد تبلغوا” وقال الطيبي عليكم بالقصد في الأمور في القول والفعل، وهو الوسط بين الطرفين من الإفراط والتفريط، والإقتصاد إنما يكون بلزوم السنة والتقيد بهدي النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بلا غلو ولا جفاء ولا إفراط ولا تفريط، وإن الناس حال المصيبة على مراتب أربع، فالمرتبة الأولى هو التسخط وهو على أنواع، فالنوع الأول أن يكون بالقلب، كأن يتسخط على ربه ويغتاظ مما قدره الله تعالي عليه، فهذا حرام وقد يؤدي إلى الكفر، وأما عن النوع الثاني وهو أن يكون التسخط باللسان، كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وهذا حرام. 

 

وأما النوع الثالث وهو أن يكون التسخط بالجوارح، كلطم الخدود وشق الجيوب ونتف الشعور وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب، وروي أنه كان في زمن حاتم الأصم رجل يقال له معاذ الكبير، وقد أصابته مصيبة فجزع منها وأمر بإحضار النائحات وكسر الأواني، فسمعه حاتم فذهب إلى تعزيته مع تلامذته وأمر تلميذا له فقال إذا جلست فاسألني عن قوله تعالى “إن الإنسان لربه لكنود” فسأله فقال حاتم ليس هذا موضع السؤال، فسأله ثانيا وثالثا، فقال معناه أن الإنسان لكفور، أي عداد للمصائب ونساء للنعم مثل معاذ هذا إن الله تعالى متعه بالنعم خمسين سنة، فلم يجمع الناس عليها شاكرا لله عز وجل، فلما أصابته مصيبة جمع الناس يشكو من الله تعالى ؟ فقال معاذ بلى إن معاذا لكنود عداد للمصائب نساء للنعم فأمر بإخراج النائحات وتاب عن ذلك. 

 

وأما عن المرتبة الثانية للناس في حال المصيبة الصبر، فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه لكنه يحتمله، وهو يكره وقوعه ولكن الصبر يحميه من السخط، فليس وقوعه وعدمه سواء عنده، وهذا واجب لأن الله تعالى أمر بالصبر، والمرتبة الثالثة للناس حال المصيبة هو الرضا، بأن يرضى الإنسان بالمصيبة، بحيث يكون وجودها وعدمها سواء، فلا يشق عليه وجودها ولا يتحمل لها حملا ثقيلا وهذه مستحبة وليست بواجبة على القول الراجح، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا، أما التي قبلها فالمصيبة صعبة عليه، لكن صبر عليها، وأما عن المرتبة الرابعة وهو الشكر، وهو أعلى المراتب، وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة، حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته، وربما لزيادة حسناته.

 

ويقول أحد المعزين في لطائف التعازي لقاضي من قضاة بلخ توفيت أمه قال له إن كانت وفاتها عظة لك فأعظم الله أجرك على موتها، وإن لم تكن لك عظة فأعظم الله أجرك على موت قلبك، ثم قال أيها القاضي أنت تحكم بين عباد الله منذ ثلاثين سنة ولم يرد عليك أحد حكما فكيف بحكم واحد عليك من الواحد الأحد ترده ولا ترضى به؟ فسري عنه وكشف ما به وقال تعزيت تعزيت.

حاتم الأصم مع معاذ الكبير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى